فخر الدين الرازي

478

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

البحث الثالث : أن هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق ، ولم يبق له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه اللَّه ذلك المهم ، ولنرجع إلى التفسير ، أما قوله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : قَدْ معناه التوقع ، لأن رسول اللَّه والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع اللَّه مجادلتها وشكواها ، وينزل في ذلك ما يفرج عنها . المسألة الثانية : كان حمزة يدغم الدال في السين من : قَدْ سَمِعَ وكذلك في نظائره ، واعلم أن اللَّه تعالى حكى عن هذه المرأة أمرين أولهما : المجادلة وهي قوله : تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها أي تجادلك في شأن زوجها ، وتلك المجادلة أنه عليه الصلاة والسلام كلما قال لها : « حرمت عليه » قالت : واللَّه ما ذكر طلاقا وثانيهما : شكواها إلى اللَّه ، وهو قولها : أشكو إلى اللَّه فاقتي ووجدي ، وقولها : إن لي صبية صغارا ، ثم قال سبحانه : وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما والمحاورة المراجعة في الكلام ، من حار الشيء يحور حورا ، أي رجع يرجع رجوعا ، ومنها نعوذ باللَّه من الحور بعد الكور ، ومنه فما أحار بكلمة ، أي فما أجاب ، ثم قال : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي يسمع كلام من يناديه ، ويبصر من يتضرع إليه . [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 2 ] الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ( 2 ) قوله تعالى : الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ اعلم أن قوله : الَّذِينَ يُظاهِرُونَ فيه بحثان : المسألة الأولى : ما يتعلق بالمباحث اللغوية والفقهية ، فنقول في هذه الآية بحثان . أحدهما : أن الظهار ما هو ؟ الثاني : أن المظاهر من هو ؟ وقوله : مِنْ نِسائِهِمْ فيه بحث : وهو أن المظاهر منها من هي ؟ . أما البحث الأول : وهو أن الظهار ما هو ؟ ففيه مقامان : المقام الأول : في البحث عن هذه اللفظة بحسب اللغة وفيه قولان : أحدهما : أنه عبارة عن قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، فهو مشتق من الظهر . والثاني : وهو صاحب « النظم » ، أنه ليس مأخوذا من الظهر الذي هو عضو من الجسد ، لأنه ليس الظهر أولى بالذكر في هذا الموضع من سائر الأعضاء التي هي مواضع المباضعة ، والتلذذ ، بل الظهر هاهنا مأخوذ من العلو ، ومنه قوله تعالى : فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ [ الكهف : 97 ] أي يعلوه ، وكل من علا شيئا فقد ظهره ، ومنه سمي المركوب ظهرا ، لأن راكبه يعلوه ، وكذلك امرأة الرجل ظهره ، لأنه يعلوها بملك البضع ، وإن لم يكن من ناحية الظهر ، فكأن امرأة الرجل مركب للرجل وظهر له ويدل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق : نزلت عن امرأتي أي طلقتها ، وفي قولهم : أنت عليّ كظهر أمي ، حذف وإضمار ، لأن تأويله : ظهرك علي ، أي ملكي إياك ، وعلوي عليك حرام ، كما أن علوي على أمي وملكها حرام علي . المقام الثاني : في الألفاظ المستعملة بهذا المعنى في عرف الشريعة . الأصل في هذا الباب أن يقال : أنت